محمد راغب الطباخ الحلبي
600
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
البصر ، وتنحصر تلك الثروة العظيمة التي لا تحصى في دولتين أو ثلاث ، وأن تثل فيها عروش قياصرة الأرض وجبابرتها ، وتصبح فيها تيجان الملوك المرصعة بين الأرجل وتقتل أصحابها شر قتلة ، ويضحي البعض منهم مقيدا بالسلاسل والأصفاد ، ويمثل بالبعض منهم أشنع تمثيل في الكهوف والغابات ، ومن فر منهم وسلم من عائلاتهم وذراريهم تشتت في أطراف البلاد ، فصار منهم من يتعاطى أحط الصنائع وأدناها مثل المقاهي والمراقص ، ومنهم من لا يجد ما يسد به الجوع ولا مسكنا يأوي إليه . ولا تسل بعد ذلك عن بقية طبقات العالم حيث أصبح أولادهم يتامى ونساؤهم أيامى ، وصاروا إلى الدرك الأسفل من الفقر والفاقة ، ومات من الناس جوعا أمم لا تعد ولا تحصى . كل ذلك لتسكين جشع أشخاص معدودين لا يتجاوزون عد الأصابع ، وهؤلاءهم الذين يسمون أنفسهم أساطين السياسة وقادة الآراء ، وينظرون إلى من دونهم وإلى جميع أصناف الجنس البشري بعين الازدراء ، ويعتقدون أنهم أنعام فيسوقونهم إلى مجازر الأطماع الاستعمارية وإلى نوال مقاصدهم الأشعبية ، لا تأخذهم بالناس رأفة ولا تجد الرحمة والشفقة إلى قلوبهم سبيلا . أعلنت الحرب العالمية ، وذلك في غرة آب سنة 1914 وتاسع رمضان سنة 1333 ، واشتركت فيها بعض الدول إما طوعا وإما كرها ، ولسوء الحظ اشتركت فيها الدولة العثمانية ، وكان ناظر الحربية أنور باشا ، كان هذا وجد في ألمانيا مدة غير قصيرة ، وكان معجبا في أمور حربيتها ونظامها العسكري ووفرة معداتها وإتقانها للصنائع والفنون ، وذلك هو الواقع ، وكان أكثر الناس يظنون عند نشوب الحرب أنها لا تدوم أكثر من شهور ، وأن النصر والظفر سيكون حليف الدولة الألمانية ومن اتفق معها . فاستشار أنور باشا القواد في أمر الدخول في الحرب ، فصاروا يحبذون له الانضمام إلى الدولة الألمانية إما مجاراة لفكرته وميله وإما بسائق الاجتهاد الذاتي ، ولعل الثاني أقرب إلى الحقيقة . وكان محمود كامل باشا يقول : إني رجل عسكري تابع للأمر ومنقاد إليه ، وأي دولة حاربتم فأني مستعد لأن أبذل آخر نقطة من دمي في الذود عن حياض الوطن والدولة والدفاع عن الدين والجامعة الإسلامية . ولما أعلن النفير العام في المملكة العثمانية عين قائدا للعسكر في ( حوضه ) لتجهيز